إذا أردت أن تجمع أبناء الحي.. فأشعل حريقاً. إذا أردت أن تجمع شتات المشجعين.. فأقم مباراة. وإذا أردت أن توحد أفكار المواطنين.. فأقم حرباً. وإذا أردت أن تشكّل تياراً أيديولوجياً.. فأقنعهم أن عدواً ما يوشك أن يأخذهم. لا يمكن صهر مشاعر الجماعة المتفرقة في ظروفها وأهدافها إلا إذا صنعت بوتقة من النضال الوهميّ تؤججها مشاعر قومية أو دينية أو وطنية مشتركة. فإذا انصهروا صاروا مادة واحدة يسهل تقليبها وصبها وطرقها وسحبها، ولكنها إذا بردت بعد الصهر تفككت وتحللت وعادت إلى عواملها الأولية وانشغلت بمصائرها الدنيوية، فلا بد إذن من إبقاء الخليط عند مستوى الغليان الدائم، تماماً مثلما أن إبقاء الأتباع في حالة الولاء الصامت والعمل الدؤوب مرهونٌ ببقاء القضية قائمة، والحرب مستعرّة، والخطر معلقاً فوق رؤوسهم. ولا أسهل من اختراع القضايا وتسعير الحروب وخلق الخطر. فيزياء المجتمعات لا تختلف كثيراً عن فيزياء المادة كما يبدو.
السلطة تحتاج إلى أتباع، والأتباع يحتاجون إلى إلهام. ومن أجل هذا اخترع السياسيون الأيديولوجيا ليشيدوا أوطاناً ويبنوا دولاً. ثم استعارها منهم رجال الدين ليخلقوا مذاهب ويصنعوا فرقاً. ثم استعارها الثوريون ليؤججوا ثورات ويقلبوا نظماً. وما زالت الأيديولوجيا تنتقل وتتحوّر من صفة إلى أخرى كما يحتاجها أربابها لتحقق أهدافها السلطويّة. هذه الآلية تتكرر بلا فروقات جوهرية، ويمكن جمعها في كتيّب صغير للجيب: شكّل مجموعة المفاهيم الاعتقادية (الأيديولوجيا)، رسّخها في العقول والأذهان (التعليم)، صنّف الناس على أساسها كمع أو كضد (الفسططة: كما أسماها الأستاذ/عبدالله بجاد العتيبي)، أشر بإصبع واضحة إلى عدو ما (كما ورد في مقالة: كيف يختار المجتمع رمزه الديني). كل الخطوات السابقة كفيلة بحشد الأتباع، وبالتالي تحقق السلطة، ولكن بقاء الأتباع قيد هذه التنويم الأيديولوجي، وبالتالي استقرار السلطة، يتطلب أن تظلّ النار موقدة، والحرب قائمة. لا شيء يعطّل العقل ويُعمي البصيرة ويفجّر العاطفة أكثر من (حالة حرب).
تمكّن الاتحاد السوفيتي من فرض نظامه الشموليّ المعاكس لنوازع الإنسان الفطرية من خلال بثّ هذا الشعور الحربيّ في مواطنيه حتى قال عنه المفكر الأمريكي ديورانت إن (الاشتراكية أيديولوجيا حربية)، وهو يعني أنه لا يمكن تطبيقها إلا في حالة حرب، وبالفعل سقطت الاشتراكية بمجرد انتهاء الحرب الباردة نتيجة لمنهج (البروسترويكا) الذي أقره غورباتشوف. ولم يكن للحرب الباردة من هدف أكثر من إبقاء شعوب الاتحاد السوفيتي تحت هذه الظّلّة السوداء عقوداً طويلة، فقاموا بتأجيل أحلامهم ورغباتهم وذابوا في أيديولوجيا الدولة التي تخوّفهم من الشر المستطير القادم من الغرب. في الشرق الأوسط، بقدر ما كانت إسرائيل مصدر آلام للشعوب العربية كانت في المقابل مشجباً رائعاً لكثير من قادة هذه الشعوب، علقوا عليه كل أسباب التأخر التنموي والتقهقر السياسي، وسمح لهم وجودها بإبقاء قوانين الطوارئ قائمة لعقود، فصفّوا معارضيهم، ودعموا سلطتهم، وفرغوا حنق شعوبهم على (العدو الإسرائيلي) و(الكيان الصهيوني). إيران تمارس دوراً كهذا الآن، فحين يفشل قادتها في أن يبرروا لشعبهم كيف تمتلك الدولة ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بينما الملايين من أفراد الشعب يعيشون تحت خط الفقر لا يجدون أفضل من إلقاء اللوم على (الشيطان الأكبر) الذي يقبع وراء المحيطات. كوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وبوليفيا وبورما وموزمبيق كلها دولٌ لا يمكن تفريق خطاباتها السياسية الشعبية عن بعضها باستثناء اللغة والتفاصيل المحلية، ولكن الأركان الأساسية للخطابات الذي يهذّها عليهم زعماؤهم بالساعات لا تتغير: دائماً هناك حرب وعدو ونضال ومعركة.. ولا وقت الآن لمناقشة الاتجاهات والتفكير في الفروع، فالأمة في خطر وبحاجة للالتفاف حول القائد، ولا أحد غير القائد. هكذا تفعل الدول، وهكذا تفعل التيارات أيضاً. جلّ خطابات التيار الإسلاموي في السعودية تتمحور حول هذا التحريض الحربي على مستويات اجتماعية، ومنذ عقود الصحوة والخطاب يكاد يكون ثابتاً (هجمة على أهل الدين والصلاح..)، (مؤامرة يقودها الإعلام لتغريب الأمة..)، (العلمانيون والتغريبيون يتقدمون..)، إلى غيرها من السيناريوهات التي يزرعها رموز التيار في خطاباتهم ليضمنوا شحن الروح النضالية في أرواح الأتباع إلى الحد الذي لا يبقى فيه متسع لطرح الأسئلة ومراجعة الأهداف. كل شيء حسمه القادة والعلماء والخطباء والوعاظ، ولا يحتاجون إلا إلى أتباع مليئين بالطاقة والولاء، ومشحونين باتجاه واحد، لا تشوبهم استفهامات ولا مراجعات، تماماً مثل الجنود. (الإسلامويُّ التابعُ) في المشهد المحليّ السعودي يشبه هذا الجندي الموجّه عن بعد. مشحونٌ بحالة الحرب الوهمية، وينتظر أي فرصة لخوض هذه المعركة الموعودة. وهو على قناعة تامة أن خصومه الفكريين هم (أعداء)، ومجتمعه السعودي هو (ميدان)، وكل ما يسمعه في الصحف أو يراه في الأخبار هو (مؤامرة)، ولذلك يجب أن يظلّ في (الخندق) إلى الأبد. وتستمر حالة الشحن المعنوي هذه حتى تجد لها فرجة للتفريغ في عمل تيّاري ما أو تتفاقم في الصدور المحبطة لتتحول إلى جريمة.
إقامة ميزان العدل بين التيارات، على مستوى القوانين والحريات والحضور السياسي والاجتماعي، كفيلة بإحداث النقلة الضرورية من حالة حرب مذمومة إلى تنافس فكريّ محمود. أما استخدام التيارات كأدواتٍ سياسية، لتضرب هذا التيار بذاك إذا تمادى، وتهدد هذا بذا إذا تطاول، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من حالات الاحتقان المتبادل، والشحن التياري الذي يتطلب أن تظلّ الحالة حربية. ومن وجهة نظري، أن مجتمعاً تتربّص تياراته ببعضها إلى حد الحرب سيجد صعوبة كبيرة في تنفيذ مشاريع التنمية الحضارية المتعلقة بالانفتاح والتنوير، وسيجد صانع القرار، في مراحل حرجة من الحراك التنموي، أن كلا التيارين لن يرضيا عنه حتى يتبع طريقتهم، مما يفتح المجال أمام لعبة توازنات دائماً ما تشطّ عن المسار المستقيم الذي يجدر بالقرار السياسي الصائب أن يسلكه.
محمد حسن علوان
التوقيع
حَيَاتِي كُلُّهَا تَفَاصِيْل !
العضو التالي يقول شكرا لك قادم بن ذاهب على هذه المشاركة القيّمة: